الشوكاني

22

فتح القدير

لما ذكر سبحانه حكم الاستئذان ، أتبعه بذكر حكم النظر على العموم ، فيندرج تحته غض البصر من المستأذن ، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم " إنما جعل الإذن من أجل البصر " وخص المؤمنين مع تحريمه على غيرهم ، لكون قطع ذرائع الزنا التي منها النظر هم أحق من غيرهم بها وأولى بذلك ممن سواهم . وقيل إن في الآية دليلا على أن الكفار غير مخاطبين بالشرعيات كما يقوله بعض أهل العلم ، وفي الكلام حذف ، والتقدير ( قل للمؤمنين ) غضوا ( يغضوا ) ومعنى غض البصر : إطباق الجفن على العين بحيث تمتنع الرؤية ، ومنه قول جرير : فغض الطرف إنك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا وقول عنترة : وأغض طرفي ما بدت لي جارتي * حتى تواري جارتي مأواها و " من " في قوله ( من أبصارهم ) هي التبعيضية ، وإليه ذهب الأكثرون ، وبينوه بأن المعنى غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل . وقيل وجه التبعيض أنه يعفى للناظر أول نظرة تقع من غير قصد . وقال الأخفش : إنها زائدة وأنكر ذلك سيبويه . وقيل إنها لبيان الجنس قاله أبو البقاء . واعترض عليه بأنه لم يتقدم منهم يكون مفسرا بمن ، وقيل إنها لابتداء الغاية قاله ابن عطية ، وقيل الغض النقصان ، يقال غض فلان من فلان : أي وضع منه ، فالبصر إذا لم يمكن من عمله فهو مغضوض منه ومنقوص فتكون " من " صلة للغض ، وليست لمعنى من تلك المعاني الأربعة . وفي هذه الآية دليل على تحريم النظر إلى غير من يحل النظر إليه ، ومعنى ( ويحفظوا فروجهم ) أنه يجب عليهم حفظها عما يحرم عليهم . وقيل المراد ستر فروجهم عن أن يراها من لا تحل له رؤيتها ، ولا مانع من إرادة المعنيين ، فالكل يدخل تحت حفظ الفرج . قيل ووجه المجيء بمن في الأبصار دون الفروج أنه موسع في النظر فإنه لا يحرم منه إلا ما استثنى ، بخلاف حفظ الفرج فإنه مضيق فيه ، فإنه لا يحل منه إلا ما استثنى . وقيل الوجه أن غض البصر كله كالمتعذر ، بخلاف حفظ الفرج فإنه ممكن على الإطلاق ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما ذكره من الغض والحفظ ، وهو مبتدأ ، وخبره ( أزكى لهم ) أي أظهر لهم من دنس الريبة وأطيب من التلبس بهذه الدنيئة ( إن الله خبير بما يصنعون ) لا يخفى عليه شئ من صنعهم ، وفي ذلك وعيد لمن لم يغض بصره ويحفظ فرجه ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) خص سبحانه الإناث بهذا الخطاب على طريق التأكيد لدخولهن تحت خطاب المؤمنين تغليبا كما في سائر الخطابات القرآنية ، وظهر التضعيف في يغضض ولم يظهر في يغضوا ، لأن لام الفعل من الأول متحركة ومن الثاني ساكنة وهما في موضع جزم جوابا للأمر ، وبدأ سبحانه بالغض